Read ممالك تحت الأرض by عبد الواحد الأنصاري Abd Al-Waaohid Anosaarai Online

ممالك تحت الأرض

مقطع من الرواية ...أكلت سبع زيتونات، وناولتني راضية شربة لبن ذات طعم لاذع، سألتها عنه فقالت: أعشاب مقوية، أفرغتها في جوفي، وشيعتني مودعة بنظرة كاسمها. ثم بدلت ثيابي وانتظرت أن أتدلى وراء الملثم إلى قعر الجب، لكنه امتنع وأشار لي بأن أهبط وحدي، وقال: أنت والطريق وحدكما، وإياك والتعثر، فقد تهلك. اطمأن قلبي وتجلدت للأمر، وعلمت أنه لا مفر، وأنه لا نجاة إلا من هذه السبيل. تدليتمقطع من الرواية ...أكلت سبع زيتونات، وناولتني راضية شربة لبن ذات طعم لاذع، سألتها عنه فقالت: أعشاب مقوية، أفرغتها في جوفي، وشيعتني مودعة بنظرة كاسمها. ثم بدلت ثيابي وانتظرت أن أتدلى وراء الملثم إلى قعر الجب، لكنه امتنع وأشار لي بأن أهبط وحدي، وقال: أنت والطريق وحدكما، وإياك والتعثر، فقد تهلك. اطمأن قلبي وتجلدت للأمر، وعلمت أنه لا مفر، وأنه لا نجاة إلا من هذه السبيل. تدليت وشققت الماء، معزيا نفسي بأني سوف أصل مع انتصاف القرآن إلى الجب الآخر، ولتكن هذه فسحة للذكر والتوبة والإنابة، ولأكن ذاكرا لله في هذه اللجة كما ذكره يونس في بطن الحوت. وشرعت في التلاوة بصوت مرتفع ضجت له الصخور، وجهدت في الخوض والسباحة، ووفقني الله، فوصلت إلى موضع الغوص في ثلاثة أرباع الوقت المتوقع، وكنت قد انتصفت في سورة مريم، مع أنني بدأت من الأنفال. كتمت نفسي ونطقت الشهادة ثلاث مرات وغصت فولجت الجب الأول. وصعدت بالحبل إلى سطح الأرض. الشمس موشكة على الهبوط إلى مهدها ولا حس ولا خبر، فقدت وجهتي. وندمت لأنني لم أستوثق منه: هل أنتظرك عند الجب، أو أدخل في غار الجبل؟ كل ما أتذكره كلمة ضياء: ستعودان من الطريق نفسها. أي طريق هذه التي يقطع فيها السائر في اليوم الواحد ألف ميل؟ وينتقل فيها بين المواطن تحت الأرض من غير مدعاة لذلك؟ بدأت النجوم تحدق في الفسحة الخاوية التي ينتصب فيها جسدي الواهن. وغلبني الإعياء، فصليت المغرب، واستكنت إلى النوم. واستيقظت كما في المرة السابقة ويد الملثم ممسكة بيدي، يخوض بي غيابة النفق. غير أنه توقف لحظة، وطرق بابا على اليمين. ودخلنا، فإذا ضوء خافت أحمر كضوء مبغى ربع ميرهم، الذي صحبني إليه ضياء، قرب الشونة الشريفة. قال الملثم: تجلّد لما ستراه. كان تقسيم المكان كتقسيم المبغى، حذو القذة بالقذة، تناثرت الغرف على أطراف الحائط من الجهات الأربع، وتوسطت المكان فسحة مسقوفة. وتوجه بي إلى أول غرفة على الجانب الأيمن. وإذا رجل حاله رثة، مقيد القدمين بالسلاسل، بين يديه مصحف كبير يقرأ فيه، وبجواره حفرة مغطاة تفوح منها رائحة عفنة، خمنت منها أنها لقضاء الحاجة. قلت: ما هذا؟ قال: هذا رجل كان من أهل الطريق، وحين فقد الإمدادات عرضناه للابتلاء والسجن. سألته: من أنت؟ قال: أنا عمر الفحام، عصيت مشايخي، وأنا هنا منذ سنة وثلاثة أشهر للتكفير. قال الملثم: لم يبق له إلا تسعة أشهر. اضطربت جوانحي. فأخرجني، وتقدمني إلى حجرة ثانية. وإذا طفل عمره بين الحادية عشرة والخامسة عشرة، مفتوح الذراعين، قد قيد كفاه إلى الجدار واقفا. قلت: ومن هذا؟ قال: هذا لقيط ربيناه، وسقط في براثن السرقة، وخشينا عليه السجن، فجئنا به إلى هنا لنؤدبه شهرا، وقد حفظ القرآن، غير أن عليه فرض وقوف كل ليلة من منتصف الليل حتى الفجر. قلت: لماذا؟ قال: كي يستعظم خطر الوقوف بين يدي الله وهو لا يزال في مدة الإمهال. قلت: هل نحن في سجن؟ قال: بل نحن في مدرسة للتربية والتصفية. وأخذ يجول بي على الحجرات واحدةً واحدة. فرأيت امرأة مقيدة، أدركتها الفاقة وحملتها على الزنى وأرادت أن تقصد الطريق، فحُبست على هذه الحال حتى تختم القرآن خمسين ألف ختمة. ومررت بمدمن على الخمر يقضي عقوبته في شرب الماء الساخن منذ ثلاثة أشهر. ثم دخلت إلى حجرة خاوية. فقلت: ومن هنا؟ قال: هذا موضعك. أدركني الفزع، وكدت أهوي مجهشا لأقبل أقدامه، غير أنني تجشمت المشقة وتذكرت الله، فطأطأت رأسي مسلّماً، وقلت: وكم عليّ أن أقضي؟ قال: ضع القيد في قدميك. اقتربت إلى الحصير وسحبت السلسلة المثبتة في الجدار وقيّدتُ قدميّ وأطبقت بالقفل عليهما. ناولني شربة لبن، وقال: هذه ليلة معراجك. وسري عني حين قال: التزم قراءة القرآن، وغدا آتي وأحملك كي تلقى الشيخ ضياء.ظللت أتأمل في سقف الحجرة وأستكنه مصدر نورها الأحمر. فعرفت أن الأمر عائد إلى القنديل المعلق في وسط سقفها، وقد طلي زجاجه بالوردي. غبت في ملكوت الله، وقلبي يهمس في أضلاعي أين أنا؟ انزاح الباب الحديدي ودخل شبح مهيب، اقترب مني وجلس على طرف الحصير. وصمت يتمتم. قلت: من أنت؟ قال: ليست العبرة بمن أكون، وإنما هي بمن تكون أنت يا هذا. وعندئذ عرفته، كان الشيخ أحمد صاحب الزاوية. وقلت: مرحبا بسيدي. ردّ قائلا: وبك. ثم أردف: هل تعلم فيم جئتك؟ قلت: لا أدري، غير أن سيدي الملثم قال إنها ليلة معراجي. قال: معراجنا بالقلب والروح. قلت: وما معراجنا؟ قل: لكل منا معراجه، غير أن المقدر لك أن نعرج بك من أفكار العلوم التي تعتمد القرائن المادية، إلى فن الذوق. قلت: وأنى لي ذلك؟ قال: نطهرك من الأسئلة. قلت: وكيف ذاك؟ قال: نظرنا في أمرك فعلمنا أن بلواك راجعة إلى خواطرك. قلت: حق. قال: الخواطر سبعون ألف خاطر، تخطر كل يوم على القلب، لا يتخلف منها واحد، والقلب كالبيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا أبدا. كذلك القلب، وخواطره مقسومة على أربعة أقسام، قسم يلبسه الشيطان، وقسم تلبسه النفس، وقسم يدخل معه الملك، وقسم لا يدخل معه شيء وهو الرباني......

Title : ممالك تحت الأرض
Author :
Rating :
ISBN : 9786144041741
Format Type : Paperback
Number of Pages : 128 Pages
Status : Available For Download
Last checked : 21 Minutes ago!

ممالك تحت الأرض Reviews

  • صلاح القرشي
    2019-03-21 05:42

    بداية من عنوان الرواية «ممالك تحت الأرض» لعبد الواحد الأنصاري، اعتقد هنا أن كلمة ممالك ترمز إلى التنظيم والإتقان والتراتبية في الوظائف، كما هي الحال عندما نتحدث عن مملكة النمل أو مملكة النحل، أما كلمة «تحت الأرض» فهي تشير إلى مكمن السرية والانغلاق والتخفي، بحيث أنه يتطلب ممن يريد أن يكون جزءاً من هذه المملكة أو هذه المنظومة، وأن يكون عضواً صالحاً فيها أن ينسلخ تماماً من ذاته وفرديته ويذوب وينقاد، ويتفانى تماماً، في مصلحة الجماعة ممتلئاً بالإيمان واليقين الكامل.هكذا يخوض قاسم بطل الرواية رحلته الشاقة مختاراً ومذعناً لكل الطقوس والاختبارات العجيبة والمتواصلة، التي يخضع لها في رحلة أهل الطريق للوصول إلى حقيقة أهل الباطن، التي لا ينالها ولا يصلها سوى من هو قادر على أن يتجاوز يقين وواقع أهل الظاهر وأباطيلهم. هكذا يخبره شيخه الأول، ومن البداية ينتزع منه الشيخ كل ما يتعلق بفردانيته، كل ما يتعلق بذاته وكل ما يربطه بما هو خارج الجماعة، لكي يواصل الطريق لا بد له من أن يسحق ذاته ويذوب في الفكرة ويعتقنها ويؤمن بها ويقاوم شكوكه حولها.«فقلت يا مولاي ، قضيت سنين منذ مناهزتي البلوغ أجري وراءك وامشي حافياً وأجوع حتى الموت...ولم أجد شيئاً من ذلك. قال إنك لو بقيت في المغارات أطول مما بقي هاروت وماروت في القيد، لما حصلت شيئاً لأنك تشتهي أن تصل والشهوة مانع حسي من الوصول الروحي».يقول له أيضاً: «يا بني كن مثلنا تكن مثلنا» وهكذا تبتدئ رحلة المريد قاسم في مطاردة أن يكون من أهل الباطن، ليصل إلى منزلة العارف ويتمكن من رؤية الله جهرة وليجري الله على يده ما يكون مسطراً في الآثار ومروياً في الأخبار». يخوض قاسم اختبارات شتى مع شيخه ضياء اختبارات يتخلص فيها من كل يقين وقانون وفكرة، تنتمي لأهل الظاهر الذين لا يملكون من الرؤية سوى ما يقف عند السطح ولا يتجاوزه إلى العمق، فأهل الظاهر هنا هم كل ما هو خارج المملكة السرية هم العامة، ومن أجل أن يصبح قاسم من الخاصة أهل الباطن من أجل أن يلج إلى المعنى الأعمق، كما هي حال الواصلين والعارفين في تلك المنظومة السرية عليه أن يمضي في رحلة شاقة وطويلة، لها قوانينها واعتباراتها وأحكامها وتأويلاتها.خلال الرحلة الطويلة يتخلص قاسم من كل الاعتبارات الظاهرة التي تحكم الواقع، فما هو محرم أو مرذول أو مرفوض في دنيا العامة، قد يصبح حلالاً أو صفة حسنة أو أمراً مطلوباً ومقبولاً عند الخاصة، وبالتالي يسقط القياس العقلي كما أن الأوامر النقلية تصبح خاضعة لتأويل الجماعة وحدها، والمريد في طريقه الطويل يجب أن يقاوم أسئلته وشكوكه، فهي ليست سوى جزء من عثرات الطريق وعقباته ومصائبه، ومن أجل الوصول تجب الطاعة والإذعان من دون سؤال «قلت وما معراجنا؟ قل لكل منا معراجه غير أن المقدر لك أن نعرج بك من أفكار العلوم التي تعتمد القرائن المادية إلى فن الذوق، قلت وأني لي ذلك؟ قال نطهرك من الأسئلة».والجميل في رواية «ممالك تحت الأرض» أنها على رغم ما تطرح من أسئلة عميقة ومهمة فهي ليست ثقيلة على نفس القارئ، لأنه ينساب مع رحلة قاسم مشدوداً ومستمتعاً، خصوصاً وأن هذه الرحلة لم تخل من جانبها العاطفي إذ يلتقي قاسم براضية ويعشقها ويتزوجها، فتمتزج عذاباته الروحية بعذابات القلب والجسد، كما أن التبويب الجميل الذي استخدمه المؤلف ساهم في جعل الرواية تنساب كنهر، فلا يشعر معها القارئ بملل أو تثاؤب.في النهاية إذا كان عبد الواحد الأنصاري اختار لبطله قاسم أن يدخل في معترك تلك الفرقة الباطنية، وجعل مكان الأحداث هو مصر القديمة في القرن السابع عشر الميلادي، فإن الفكرة في معناها الأكبر تتجاوز تلك الفرقة وكرامات أولياها وتتخطى تلك الدهاليز المعتمة في زوايا مصر القديمة لتعني بشكل أو بآخر كل حركة سرية تبني ممالكها المنظمة في دهاليز الظلام، لتستلب حرية الأفراد وتطوع إيمانهم لتحقيق غايات وأهداف لا يدري عنها أولئك المؤمنون البسطاء شيئاً.وفي النهاية كل فرد يمنح عقله لجماعة، متخلياً عن كل شكوكه وكل أسئلته هو هذا البطل المسكين قاسم.

  • أمل الشامسي
    2019-03-04 02:25

    روايه صوفيهحصلت عليها من أحد الأصدقاءأعلم أن إختياراهم دائماً أنيقه تلامس ذوقي

  • Sayaf
    2019-03-06 02:29

    ليست برواية ، يطغى عليها الجانب الفلسفي و الفكري بكثرة ، طريقة السرد بجعلها قصة مقطعة كل قطعة لا تتجاوز الصفحتين أو الصفحة والنصف ، تفتقد إلى عنصر أساسي وهو جذب القارئ لمواصلة القصة ! عندما إنتهيت منها ، تذكرت عزازيل ، وبدأ لي و كأن الكاتب يريد أن يأتي ببطل رواية عزازيل و يطبقها على روايته ولكن بشكل مصغر و بشخصية مسلمة. وفشل في ذلك - من وجهة نظري -